محمد سعيد رمضان البوطي

103

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ولكنه مع هذا يفضل الضر مهما كانت آلامه ، على النعيم مهما كانت لذائذه ، إرضاء لوجه ربه وأداء لحق العبودية عليه . ولا ريب أن هذا هو مناط استحصال الثواب وظهور معنى التكليف للإنسان . ثانيا : إذا تأملت في مشاهد سيرته صلّى اللّه عليه وسلم مع قومه ، وجدت أن ما كان يجده صلّى اللّه عليه وسلم من الأذى في هذه المشاهد قد يكون قاسيا شديدا ، بيد أنك واجد في كل مشهد منها ما يعتبر ردا إلهيا على ذلك الإيذاء وما يهدف إليه أربابه . كي يكون في ذلك مواساة للرسول عليه الصلاة والسلام ، وكي لا يتجمع في النفس من عوامل التألم والضجر ما يدخل إليها اليأس . ففي مشهد هجرته صلّى اللّه عليه وسلم إلى الطائف ، وما قد اكتنفها من العذاب المضني : عذاب الإيذاء وعذاب الخيبة - مما قد مرّ ذكره - تجد ردا إلهيا واضحا على سفاهة أولئك الذين آذوه ولحقوا به واعتذارا له عن سفاهتهم وغلظتهم ، تجد ذلك في مظهر الرجل النصراني ( عداس ) حينما جاء يسعى إليه وفي يده طبق فيه عنب ، ثم انكب فجعل يقبل رأسه ويديه ورجليه وذلك عندما أخبره عليه الصلاة والسلام أنه نبي . وحسبنا لتصوير مشهد هذا الاعتذار من إيذاء أولئك السفهاء ، أن ننقل لك كلام مصطفى صادق الرافعي رحمه اللّه في ذلك ، بعد أن ذكر القصة : « يا عجبا لرموز القدر في القصة ! . . لقد أسرع الخير والكرامة والإجلال ، فأقبلت تعتذر عن الشر والسفاهة والطيش ، وجاءت القبلات بعد كلمات العداوة . وكان ابنا ربيعة من ألد أعداء الإسلام ، وممن مشوا إلى أبي طالب عم النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أشراف قريش يسألونه ، أن يكفه عنهم أو يخلي بينهم وبينه ، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين . فانقلبت الغريزة الوحشية إلى معناها الإنساني الذي جاء به هذا الدين لأن المستقبل الديني للفكر لا للغريزة . وجاءت النصرانية تعانق الإسلام وتعزه . إذ الدين الصحيح من الدين الصحيح كالأخ من أخيه ، غير أن نسب الأخوة الدم ، ونسب الدين العقل . ثم أتم القدر رمزه في هذه القصة ، بقطف العنب سائغا عذبا مملوءا حلاوة . فباسم اللّه كان قطف العنب رمزا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حبّا ، كل حبة فيه مملكة » « 19 » . ثالثا : وفيما كان يفعله زيد بن حارثة رضي اللّه عنه ، من وقاية للرسول صلّى اللّه عليه وسلم بنفسه ، من حجارة السفهاء ، حتى إنه شج في رأسه عدة شجاج ، نموذج لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم

--> ( 19 ) وحي القلم : 2 / 30